كوتا النساء ... تواجد باهت في البرلمان لم يثر مسيرة الديمقراطية في الاردن
يرى مراقبون أن استمرار تطبيق كوتا النساء في البرلمان يقعدهنّ عن العمل والنضال من أجل إحداث تغيير حقيقي لصورتهنّ في المجتمع، هذه الصورة التي دعمها موروث اجتماعي وقيمي مغروس في عقول الناس باقتصار الدور القيادي على الذكور.
وبذلك، بدت الكوتا سبيلا وحيدا لتمثيل النساء في البرلمان الأردني، بشكل يعبر عن ضعف قدرات النساء على ممارسة العمل، وتبوء المواقع العامة إلا من خلال مقاعد تخصص لهنّ.
النائبة السابقة عن حزب جبهة العمل الإسلامي في البرلمان الدكتورة حياة المسيمي، أكدت أن سبب ضعف الدور الذي تقوم به النساء البرلمانيات عائد للآليات التي تصل النساء من خلالها إلى المجلس النيابي.
وتقول لـ"السبيل": "في ظل قانون الصوت الواحد والنظام الحالي للكوتا، وصلت نساء إلى مجلس النواب بلا برامج سياسية أو دعم حزبي، مما جعلهنّ ينغمسنّ في متابعة القضايا اليومية الخدماتية بعيدا عن العمل السياسي الحقيقي".
وفي الأردن، شكل عام 1974 تحولا في التشريعات المتعلقة بدور المرأة في المعترك السياسي وصنع القرار، خاصة في مجلس النواب، لا سيما أن المرأة منحت الحق الكامل في الانتخاب والترشح للانتخابات.
وبعد عقد من ذلك التاريخ، مارست المرأة الأردنية حقها في التصويت بانتخابات عام 1984، دون تواجد لأية مرشحة.
بيد أن انتخابات 1989 شكلت تحولا للمرأة الأردنية في الحياة البرلمانية مع ترشح 12 امرأة لخوض هذه التجربة، لكن الفوز بالمقعد النيابي لم يحالف أياً منهنّ، حتى عام 1993 الذي انتخبت فيه أول امرأة من بين ثلاث مرشحات، وهي توجان فيصل، والتي فازت عن "كوتا المقعد الشركسي" في الدائرة الخامسة بعمان.
ومع هذا بقي حضور المرأة في المعترك السياسي ضئيل، وخاصة في مجلس النواب إذ لم تتمكن أي امرأة من الفوز في انتخابات 1997.
ضعف أداء البرلمانيات
الحديث عن ضعف الدور السياسي للمرأة في مجلس النواب لا يروق للنائبة السابقة ثروت العمرو التي ترى أن البرلمانيات يقمنّ بالدور المنوط بهنّ كالرجال على مختلف الأصعدة سواء في الدور التشريعي أو الرقابي.
إلا أن الثقافة الذكورية الطاغية على المجتمع الأردني تقلل مما تقوم به المرأة ولا تعطيه الأهمية والسطوع الذي يتمتع به الرجل، تقول العمرو. تدلل على صحة ما ذهبت إليه إن المرأة قادرة على تولي المناصب السياسية وحتى العليا منها.
وتتفق مع العمرو زميلتها في المجلس النيابي السابق آمنة الغراغير في رفض الاتهامات بضعف البرلمانيات الأردنيات ومحدودية الدور الذي يقمنّ به، مستشهدة بأن النساء وصلنّ إلى قبة البرلمانية بخيار شعبي حر، وأثبتنّ جدارتهنّ.
وعن الدور الرقابي والتشريعي الذي تمارسه البرلمانيات، تؤكد الغراغير أنهنّ يقمنّ بدورهنّ بشكل مقنع وضمن حدود القانون.
إذ تعترض النائبة على القرارات والقوانين وتتقدم باستجوابات للحكومة والوزراء حول الأداء الحكومي والقضايا العامة التي يشوبها إشكاليات أو غموض بصفتها القائم بأعمال المواطنين في المجلس النيابي.
الكاتب الصحفي جميل النمري، وبصفته مراقب لأداء مجلس النواب، ينفي وجود فروقات جوهرية في الأداء النيابي بين النائبات ونظرائهنّ من الرجال، لا سيما أن كليهما يعاني ضعف الأداء وقلة الخبرة مع بعض الاستثناءات.
حداثة التجربة
الانتخابات البرلمانية لم تفرز النوعية الأكثر تقدما من السيدات، بحسب النمري، الذي لفت إلى مشاركة سيدات لأول مرة في العمل العام والسياسي بالبرلمان السابق، مما جعل أدائهنّ ضعيفا ولا يرقى إلى المستوى المطلوب.
حداثة تجربة المرأة في البرلمان يترك مجالا خصبا للحديث عن سلبية دورها النيابي من حيث النوعية وآليات الوصول إلى القبة، كما يقول.
وتتفق النائبة ناريمان الروسان مع النمري في عدم وجود فروقات جوهرية بين النساء والرجال في المجلس النيابي، فغالبية الجانبين لم يكن لهم حضور في التشريع والرقابة.
"بل حجزوا مقاعد تحت القبة ليقدموا بعض الخدمات لقواعدهم الانتخابية للحفاظ على الأصوات التي حصلوا عليها في المرة السابقة، سعيا منهم للعودة للمجلس مرة أخرى بفعل المنافع والخدمات التي يقدمونها" بحسب الروسان.
وتنتقد الروسان آليات اختيار النواب وتحديداً النساء، فالكوتا في وضعها الحالي لم ولن تحقق الغاية التي وضعت من أجلها، لأن مخرجاتها التي دخلت للمجلس النيابي ضعيفة وغير مؤهلة للموقع الذي زجت فيه وتفتقر للتجربة والخبرة في الجوانب التشريعية والقانونية.
المرأة والكوتا
فشلت المرأة الأردنية تاريخيا في التنافس مع الرجل للدخول إلى البرلمان بلا "كوتا" في مجتمع تتسيد فيه العشيرة، رغم أنها حظيت بحق الترشيح والانتخاب في العام 1974.
لكن على خلفية عدم فوز أي امرأة في انتخابات 1997، جمعت اللجنة التنسيقية للمنظمات غير الحكومية أكثر من 15 ألف توقيع للمطالبة بنسبة لا تقل عن 20 في المئة من المقاعد البرلمانية للنساء، غير أنها لم تجن أي ثمار سياسية بسبب معارضة برلمانيين للنسبة المذكورة واعتبارهم الكوتا النسوية غير دستورية، لأن الدستور ينص "على أن الأردنيين سواء".
وفي العام 2001، صدر قانون انتخاب مؤقت عمل على زيادة عدد مقاعد البرلمان من 80 إلى 104، وعدد الدوائر الانتخابية من 21 إلى 45 دائرة، إلا أنه أبقى على نظام الصوت الواحد ولم يتطرق لتخصيص كوتا برلمانية للنساء.
بيد أن تعديلات على قانون الانتخابات المؤقت أدخلت في العام 2003، حيث تم اعتماد نظام الكوتا، والذي سمح فيه للمرأة بدخول مجلس النواب بتخصيص ستة مقاعد لها من بين 110 مقعدا.
فيما شهدت انتخابات عام 2007 فوز النائب فلك الجمعاني بمقعد نيابي عن طريق التنافس، لتصبح بذلك أول سيدة أردنية تدخل مجلس النواب عن طريق التنافس، وخارج نظام الكوتا، ليرتفع عدد أعضاء مجلس النواب من السيدات إلى 7 لأول مرة في تاريخ الحياة النيابية الأردنية.
وما تزال مشاركة المرأة الأردنية في الحياة السياسية "متواضعة" حتى أن دخولها للبرلمان لم يتجاوز النسبة المحددة لها في ظل قانون انتخاب منحها كوتا (نسبة محددة بستة مقاعد نيابية) ومجتمع "قبلي" ينحاز إلى المرشحين الرجال.
وعلى الرغم من أن عدد الإناث في الأردن ممن يحق لهن الانتخاب بلغ عام 2007 مليونا و469 ألف ناخبة يشكلنّ ما نسبته 48.5 في المئة من عدد الناخبين، إلا أن سيدة واحدة استطاعت الفوز بمقعد خارج الكوتا المخصصة للنساء.
صوت الرفض
وترفض الروسان بقاء الكوتا، ولا ترى فائدة من وجودها، إذ إنها لم تضف شيئا إلى قوة المرأة وقدرتها على البقاء والتفاعل الإيجابي داخل المجلس النيابي، لأن النساء اللواتي دخلنّ البرلمان من خلال الكوتا غير مؤهلات، على حدّ تعبيرها، ولا يتمتعنّ بأي قدرات تمكنهن من القيام بالواجبات المنوطة بهنّ.
المراقب لأداء مجلس النواب لا يلحظ أي إشارات تعزز المطالبات النسائية ببقاء الكوتا وزيادة نسبتها، تضيف الروسان، داعية الحكومة إلى إلغاء الكوتا وتغيير قانون الانتخابات لإخراج مجلس نيابي على قدر المسؤولية بدلا من المجالس الهزيلة على حدّ وصفها.
ويؤيد النمري نظام الكوتا على الرغم مما فيه من تجاوز على الدستور الذي ينص على أن الأردنيين سواء، فالنظام بكل ما عليه من اعتراضات يعتبر تجاوزا إيجابيا كونه يسهم في توسيع مشاركة المرأة في الحياة السياسية، ويزيد من انخراطها في الحياة العامة، مما يحسن المستوى الثقافي والاجتماعي وبالتالي السياسي.
ويشير إلى أن السيطرة الذكورية على مجريات الحياة العامة تصل لنسبة 95 في المئة، مضيفا أن زيادة حضور المرأة في مجالات الحياة المختلفة يحفز ويخلق ظروفا إيجابية للحياة السياسية السليمة.
وتشارك المسيمي النمري الرأي ذاته، بأن وجود السيدات في المجلس النيابي بأي وسيلة كانت أسهم بجسر الفجوة بين الرجال والنساء، وأن النساء من خلال دخولهن للمعترك الانتخابي بدأن في اكتساب الخبرة والمهارة التي تعزز من مشاركتهن في الحياة العامة بشكل عام والسياسية على وجه الخصوص.
في حين اعتبرت العمرو الكوتا تمييزا إيجابيا مهد الطريق للمرأة لإثبات جدارتها وقدرتها على العمل لكونها ترى أن الكوتا أعطت المرأة فرصة المشاركة في الحياة السياسية بغض النظر عن الثقافة الذكورية والمنظومة العشائرية المسيطرتين على المجتمع.
وتؤكد العمرو أن الكوتا أضافت الكثير إلى المرأة من ناحية الخبرات والقدرة على العمل كالرجل في تشريع القوانين والعمل العام والرقابة على الأداء الحكومي، وتؤيد مشاركة النواب في الوزارات الخدمية فهم الأقرب والأكثر ملامسة للتوجهات الشعبية.
بدورها، شددت الغراغير على أن الكوتا كسرت حاجز التخوف من وصول المرأة إلى البرلمان ومنحتها فرصة لإظهار قدراتها على تولي المناصب القيادية لتعالج القضايا السياسية والخدمية، وتقوم بدورها الرقابي والتشريعي كما هو الرجل.
وتؤيد الغراغير استمرار العمل بـ"الكوتا" لإقناع الشارع الأردني بالمرأة ودورها، مطالبة بزيادة نسبتها إلى 20 في المئة حتى تتمكن من تفعيل دورها ومن منافسة الرجال في ذلك الميدان.
القائمة الحزبية والكوتا
قدمت المؤسسات والمنظمات والفعاليات النسائية وثيقة المرأة الأردنية، برنامج المرحلة القادمة وعرضتها على أعضاء مجلس الأمة بين عامي 2003-2007.
وبخصوص قانون الانتخاب، أكدت الوثيقة ضرورة إلغاء قاعدة الصوت الواحد، وإقرار تعديلات تسمح بالتصويت على أساس القائمة، وتؤدي إلى تمثيل أكثر عدالة وتسهم في تحقيق التنمية السياسية، وإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بصورة عادلة، بحيث يتناسب عدد مقاعد كل دائرة مع عدد سكانها.
كما نصت على وجوب أن لا تقل نسبة تمثيل أي من الجنسين عن 30 في المئة، وفقا لما التزم به الأردن دوليا، ورفع القيود المفروضة على حق المواطن في ترشيح نفسه عن أي دائرة من دون قيود تتعلق بالعرق والطائفة والمنبت والجنس، اعتمادا على مبدأ المواطنة، وخصوصا أن التمييز على هذه الأسس يتناقض مع مبدأ المساواة ومع مبادئ حقوق الإنسان، وتمكين الناخب من ممارسة حق الاقتراع في الدائرة التي يشاء، شريطة ممارسة هذا الحق مرة واحدة، والاعتراف بحق هيئات المجتمع المدني في الرقابة على العملية الانتخابية وتشجيع هذا الدور. وترى العمرو بـ"الكوتا" استحقاقا لمرحلة معينة حفزت المرأة للعمل على إثبات ذاتها والتهيؤ للمشاركة في الانتخابات البرلمانية دون حاجة للكوتا مستقبلا وفق قانون انتخابي عصري يعتمد القائمة الحزبية آلية للفوز بعضوية مجلس النواب.
بين الزيادة والتمثيل النسبي
غير أن النمري يؤكد ضرورة زيادة حصة الكوتا النسائية في الانتخابات النيابية القادمة مع تغيير نظامها وآلية فرز النساء من خلالها في حال لم يتم تغيير قانون الانتخاب، فتغيير قانون الانتخاب والعمل بنظام التمثيل النسبي أو القائمة الحزبية مع الاشتراط على أن ينص القانون الانتخابي الجديد على وجود نسبة محددة من النساء لتمثيل المرأة ولمحاولة إثبات قدرتها على تولي المناصب القيادية، لا يبقي حاجة لوجود الكوتا.
واعتبر الكوتا تجاوزا مرحليا يجب العمل على الاستغناء عنه بإقرار قانون انتخاب منطقي يسهم في تمثيل الشرائح المختلفة في البرلمان.
وتؤيد المسيمي بقاء الكوتا مع إجراء تعديلات عليها لحين صياغة قانون انتخاب يفسح المجال لدخول سيدات مؤهلات وعلى قدر من المسؤولية ضمن تكتلات سياسية قادرة على تغيير الواقع السياسي والنهوض بالأوضاع المعيشية للمواطنين.
ولم تختلف الغراغير في أهمية استمرار الكوتا لإقناع المجتمع بالمرأة وزيادة نسبتها إلى 20 في المئة لحين صياغة قانون انتخابات ينهي الحاجة للكوتات.
وترى الغراغير أن الخطوة الأهم لخلق أجواء إيجابية وإجراء الانتخابات النيابية من خلالها هي إلغاء قانون الصوت الواحد والعمل على طرح قانون جديد يعتمد القائمة الحزبية والتمثيل النسبي أساسا للعملية الانتخابية.
لكن الروسان ترفض الإبقاء على الكوتا وإجراء تعديلات عليها، لأنها أثبتت فشلها في إخراج نساء قادرات على العمل السياسي بمختلف أشكاله ومتطلباته، مطالبة الحكومة بالعمل على إلغائها وقانون الانتخاب الذي استدعى وجودها.
ووصفت الكوتا بـ"أنه نظام فاشل أُعد لإعدام الحياة السياسية بشكل عام والبرلمانية بشكل خاص"، مؤكدة ضرورة اعتماد القائمة الحزبية والتمثيل النسبي بدلا من الصوت الواحد والكوتات التي أحبطت العمل السياسي، وجعلت من المجلس النيابي فرصة وظيفية لا تعتمد الكفاءة للعاطلين عن العمل والمتقاعدين "ذكوراً وإناثا" الراغبين في تحسين دخلهم، على حدّ تعبيرها.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك