التعليم وثقافة الديمقراطية | تحقيقات وآراء | الرئيسية

التعليم وثقافة الديمقراطية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

سؤال حيوي تم طرحه كثيراً في العديد من المؤتمرات والندوات المعنية بمبادرات الإصلاح على امتداد السنوات العشر الماضية، وهو سؤال يتضمن أمرين: التعليم والديمقراطية والرابط بينهما، على أساس أن "الديمقراطية" تتأسس وتتفعل بتأثير وإيجابية التعليم، وإذا كانت الديمقراطية، مطلباً أساسياً للبناء والتنمية، فإن التعليم يشكل البنية التحتية للديمقراطية.

للديمقراطية جانبان: السياسي متمثلاً في الدساتير والنظم والانتخابات، والثقافي ممثلاً في القيم والتوجهات والممارسات، والتعليم عنصر فاعل من ضمر عناصر أخرى في الثقافة الديمقراطية. والمقصود بالتعليم هنا "المنظومة التعليمية" الشاملة للمناهج والمقررات والكتب والمدرسين والأنشطة الخارجية وغيرها من مدخلات العملية التعليمية، كما يهمنا تأكيد أن الديمقراطية المعنية هنا "الثقافة الديمقراطية"، فهل يعزز التعليم العربي ويرفد ثقافة الديمقراطية.
الخبراء التربويون الذين شخصوا حالة التعليم العربي على امتداد العقود الماضية وحتى الآن، وعبر مؤتمرات متوالية يكادون يجمعون على أن التعليم العربي في حالته الراهنة ليس عنصراً فاعلاً في تعزيز الثقافة الديمقراطية، إذ لا يشجع المشاركة والمبادرة والاستقلالية والنقد وثقافة الحوار وروح التسامح وقبول الآخر. هناك دراسة للدكتور سعد الدين إبراهيم وفريقه شملت 20 دولة عربية سنة 1990 توصلت إلى أن التعليم العربي لا يشجع المشاركة والاستقلالية والفكر النقدي. وللخبير التربوي الدكتور محمد جواد رضا، دراسة أخرى بعنوان "التربية وإعادة تشكل الوعي العربي" (2004)، شخصت علل التعليم العربي بما سمته "الأوهام الخمسة"، وهي: وهم الهوية، وهم أعلوية الذكر على الأنثى، وهم أعلوية الفكر الغيبي على الفكر العلمي، وهم الإحساس بالاضطهاد العالمي للعرب، وأخيراً وهم الخوف من الحداثة والديمقراطية أو "ثقافة الخوف من الديمقراطية".

صحيح أن المنطقة العربية شهدت نشاطاً متزايداً خلال فترة السنوات الست الماضية نحو مراجعة المناهج التعليمية وتطويرها وتضمينها مقررات عن "حقوق الإنسان" و"الحكم الديمقراطي" و"الدستور" و"ثقافة التسامح وقبول الآخر" وغيرها، لكن تطوير المناهج وحدها دون أن يصاحبه تطوير "البيئة التعليمية" لا يحقق الهدف المنشود، فلا زالت أساليب التدريس تعتمد "الحفظ" و"التلقين". ولعلنا نتذكر دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي خلال حضوره جانباً من ورشة العمل التي نظمتها وزارة التربية، في ديسمبر 2009، عندما طالب المعنيين بالعملية التعليمية، باعتماد الأساليب الحديثة والحوار مع الطلاب بدلاً من أسلوب التلقين السائد في الأوساط المدرسية بهدف تفجير طاقات الطلاب وقدراتهم ومواهبهم. فتدريب الطلاب على أساليب الحوار والمناقشة، هو الذي يعزز ثقافة الديمقراطية في نفوسهم ويؤهلهم للمشاركة الديمقراطية. وبطبيعة الحال فإن المناهج العربية تتفاوت في مواقفها من القيم الديمقراطية: قبول الآخر المختلف ديناً ومذهباً وجنسية، التسامح، احترام الرأي الآخر. لكن حتى في أرقى المناهج العربية الخالية من التطرف وكراهية الآخر نجد عناصر محورية أسياسية معوقة للثقافة الديمقراطية تتمثل فيما يأتي:

1- الموقف التمييزي من المرأة، إذ لا يزال التعليم العربي يهمش دور المرأة في الحياة العامة وفي المناصب القيادية، حين يصور المرأة كائناً لا يحسن التصرف إلا بوجود الوصي الذكر الذي يراقب ويرشّد تصرفاتها، وحين ينسب للرجل كمال القدرة وحسن الإدارة في مقابل التركيز على طغيان العاطفة لدى المرأة. وفي دراسة قيمة للدكتور فوزي أيوب بعنوان: المناهج الكويتية أمام ساعة الحقيقة، نماذج عديدة للموقف التمييزي.

2- الموقف الإقصائي من الآخر المختلف، إذ لا يزال التعليم العربي يقوم على موقف إقصائي من الآخر، وتذكر دراسة الدكتور أيوب أن الكتب المدرسية تركز على أن هناك مؤامرة غربية على العادات الخليجية، وأن التقرب من الغرب ضرره أقرب من نفعه، وكل امرأة عربية ممتازة في حد ذاتها بينما الغربية ساقطة بحد ذاتها، ولا تشير النصوص إلى الأقليات القومية في العالم العربي، ولا حضور مطلقاً للمقيمين العرب والمسلمين والأجانب في نصوص اللغة العربية.

وبصفة عامة نلاحظ أن خطابنا التعليمي التاريخي يقوم على موقف تمجيدي للمآثر والتغني بالأمجاد الماضية مع تبخيس الحق التاريخي للآخرين والبعد عن توضيح أخطائنا التاريخية في حق الأمم والشعوب الأخرى، وهذا يورث الناشئة ويملأ نفوسهم نعرات قومية أو عنصرية أو تعصبية متطرفة.

3- الموقف التعظيمي لدور الفرد البطل صانع الأحداث والمنجزات وذلك على حساب الدور المغيب للشعوب صانعة التغيير الحقيقي، التعليم العربي يمجد دور الزعيم ويهمش دور الجماعة، لذلك لا نندهش من ولع وتعلق بعض القطاعات الشعبية العربية وبعض الرموز الفكرية بالقادة المستبدين الذين داسوا الكرامات وانتهكوا الحريات، حتى بعد مماتهم. تعظيم الزعيم وتضخيم دوره هو الذي أوجد القابلية النفسية عند الجماهير والنخب لاستمرار الحكم الاستبدادي وأضعف مناعتها في الدفاع عن الحريات، وهذا الموقف الاتكالي المراهن على دور الزعيم المنقذ والمخلص هو امتداد لعقيدة "المهدي المنتظر" الذي سيملأ الأرض عدلاً.

هذه المعوقات التعليمية تمثل جانباً واحداً لضعف ثقافة الديمقراطية، وهناك جانب آخر يتمثل في النشاطات اللاصفية (المخيمات والرحلات الدعوية، النشاطات الطلابية والتي يتم فيها تلقين الناشئة أفكاراً تعصبية)، على أن المعوق الأعظم يتعلق بطبيعة "التكوين الثقافي" للمشرفين والمعلمين، فإذا كان هؤلاء إفرازاً لتنشئة غير ديمقراطية أو أسرى موروثات تعصبية أو أيديولوجيات كارهة للغير، فإن التعليم لن يكون رافداً للديمقراطية مهما كان محتواه متقدماً. القضية ليست في الكتاب المقرر كما يقول الدكتور الغذامي -الناقد السعودي- بل في الكتاب الآخر الموازي والمجسد في شخص المعلم والذي هو إفراز لنسق ثقافي غير ديمقراطي. وهناك ما يسميه إبراهيم البليهي (مفكر سعودي) "البرمجة السابقة للتعليم" وهي الحاكمة للمعلم والطالب، ومعيار الانفكاك عنها، قدرة التعليم على تكوين "التفكير الاستقلالي" لدى الأفراد. ثقافة الديمقراطية، ليست ثمرة برسم القطف -كما يقول جورج طرابيشي- بل بذرة برسم الزرع.


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
Aman - main page