الرشيد: تجربة الإصلاح السياسي في الكويت الوحيدة في محيطها
حصلت «القبس» على نسخة ورقة مشاركة د. مضاوي الرشيد من جامعة كنغز كولدج في لندن، التي كان من المقرر القاؤها في محاضرة معهد المرأة للتنمية في الكويت 16 الجاري قبل ان تفاجأ بمنع دخولها البلاد.
وذكرت الرشيد في محاضرتها انه لا توجد حقبة تاريخية ما انعدم فيها استحضار مصطلح «الاصلاح» فهو مصطلح شامل وفضفاض يكثر استدعا}ه في حقاب السلم والرفاهية وحالات الشدة والازمات لانه مطاطي وخلاب تختفي خلفه مفاهيم متناحرة ومتعارضة بعضها يعكس فهما منقوصا او محدودا وبعضها الآخر يعكس فهما واسعا في مستطاعه ان يحشد خلفه شرائح قيادية واجتماعية وفعاليات اقتصادية لكل منها اتجاهه الخاص به، وقالت انه في اطار هذه المحاضرة اود التركيز على مفهوم الاصلاح السياسي فقط رغم انني اعتبر ان مشتقات الاصلاح الاخرى كالاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها لا تنقص اهمية والحاحا عن الاصلاح السياسي، ابدا اولا برسم اطار وبنية تساعدنا على تحديد مفهوم الاصلاح السياسي قبل ان انتقل الى فرضية تعطيله او تعليقه في الوطن العربي.
واشارت الرشيد الى ان الاصلاح السياسي يجمع عدة ركائز تتعلق بممارسة السلطة وعلاقة السلطة بالمجتمع ومنها المفهوم الاول الذي يرتبط بعملية فصل السلطات المعروفة وهي تشريعية وتنفيذية وقضائية، اما المفهوم الثاني فيتعلق بفتح المجالات للمشاركة السياسية عن طريق برلمانات او مجالس تمثيلية منتخبة. وقالت ان المفهوم الثالث يرتبط بوجود وثيقة قانونية تضمن فصل السلطات والحريات الفردية والمدنية بالاضافة الى حرية التجمع والتنظيم والصحافة والرأي، ناهيك عن حقوق الانسان والمرأة والاقليات، فيما يركز المفهم الرابع على ضمان وجود فعاليات ومؤسسات مدنية مستقلة تكون بمنزلة حيز قائم يمثل مصالح مجموعات فكرية ثقافية اقتصادية او مهنية تعمل بشفافية من دون ارتباط بالسلطة لانها بمفهومها الجذري هي حيز مستقل بين السلطة والمجتمع. واضافت الرشيد ان المفهوم الخامس هو وجود مؤسسات رقيبة على السلطة تستطيع ان تحد اي انتهاك او تعدٍ على الحريات وترصد مثل هذه الانتهاكات بشفافية وموضوعية تستطيع ان تنقلها الى الرأي العام.
بدهيات
واستطردت ان كل هذه البدهيات المرتبطة بمفهوم الاصلاح السياسي قد تمثلت بشكل او بآخر في معظم الدول العربية نظريا لكنها ظلت رهينة معطيات اخرى مما ادى الى تعليقها او تجريدها من فعالية الممارسة، فالالتزام بهذه الركائز اختلف من بيئة الى اخرى رغم تداول معظم مفاهيم الاصلاح السياسي، وحسب معظم التقارير الصادرة من قبل المؤسسات العربية والعالمية نجد ان الخارطة الاصلاحية السياسية العربية تبدو قاتمة فتقارير التنمية العربية وخصوصاً المتعلقة بالاصلاح السياسي تقر بشكل واضح وصريح تعثر الاصلاح السياسي العربي، والتقارير العالمية كخارطة فريدوم هاوس والايكونوميست للديموقراطية والحرية في العالم العربي ترسم صورة قاتمة ما عدا ثلاث دول هي المغرب ولبنان والكويت. وحسب اكثر الدراسات مصداقية نجد ان المسيرة الاصلاحية السياسية تقدمت شيئا بسيطا في بعض المجالات ولكنها تخلفت وتراجعت تحت ضغوطات داخلية وخارجية وعندما هبت رياح التغيير على اوروبا الشرقية مثلا او آسيا نجد ان العالم العربي دخل مرحلة تأهب وانتظار سرعان ما تبددت بل ان مؤشرات مثل مؤشرات حقوق الانسان وحرية الصحافة وحالات الاعتقال التعسفي وقمع فعاليات المجتمع المدني واللجوء الى العنف من قبل الانظمة والمجتمع قد ازداد بروزا، وتبلور كجزء من الممارسة السياسية في كثير من المناطق العربية.
صورة سوداوية
وقالت: قبل ان ندخل في تفاصيل هذه الصورة السوداوية يجب ان ننوه ببعض التجارب الحية الحالية التي تنبهنا الى بصيص امل قد يفتح نافذة الهام على التجارب المستقبلية وان لم يتبلور حاليا الاصلاح السياسي.
وأشارت الرشيد الى اننا نلاحظ على مستوى المجتمع منذ التسعينات ظاهرة انفتاح الحيز العام وبروز اصوات مختلفة ومتباينة تمثل شرائح فكرية وسياسية واجتماعية ودينية واقتصادية، استطاعت هذه الفعاليات ان تسجل صوتها من تفعيل ادوات جديدة وفرتها التكنولوجيا المعلوماتية والعولمة، حيث اخترقت هذه الاليات المجتمعات العربية بكل شرائحها الاقتصادية واعطت الفرصة لكثير من الاتجاهات للتعبير عن ذاتها وانتقاد وضعها في مجال الاعلام والعوالم الافتراضية، واصبحت هذه الاصوات رقيبا على السلطة والممارسات السياسية القديمة تفضحها وتعريها امام المجتمع الداخلي والعالمي.
وقالت: نجد ان المنطقة العربية اليوم على الصعيد الاجتماعي تتداول مصطلحات مهمة كالانتخابات وحقوق الانسان والمرأة والطفل، وتطالب بحماية حرية الرأي والمعتقد والتنظيم والتجمع. لقد دخلت هذه المصطلحات الى المجتمعات العربية بشكل قوي منذ التسعينات وهي في طريقها الى التثبيت كحقوق شرعية لا يمكن تجاوزها او تهميشها بعد الان.
حراك اجتماعي
وتابعت الرشيد تضطر السلطات السياسية في اكثر من اي بلد عربي ان تتجاوب مع الحراك الاجتماعي وهي غير قادرة معنويا ان تحجر علي مجتمعاتها كما كانت تفعل في السابق، واي انتهاك لحرية ما نجد اصداءه تصل الى الداخل والخارج نتيجة ارتباط هذه المجتمعات اعلاميا وتكنولوجيا ومؤسساتيا مع المجتمع الدولي، وتبقى السلطات غير قادرة على العودة الى الوراء لانها تحكم مجتمعات منفتحة على الخارج ومجتمعاتها اصبحت مساحات متصلة مع العالم، مما ادى الى تقلص حدود العنف المباشر، خصوصا ان السلطات تخاف على سمعتها الدولية ومكانتها العالمية في مرحلة هي ايضا تحاول الانفتاح الاقتصادي من اجل البقاء وهي تتردد الف مرة قبل ان تنزلق في متاهات العنف والعنف المضاد، واي تعد واضح ومفضوح على الحريات يتحول بسرعة الى موضوع ساخن يكثر فيه الحوار والتدوين، وهذا ما اجبر السلطات ان تتعاطى مع الضغط المجتمعي والعالمي والداخلي وخاصة الرقابة الاجتماعية وقد ادى ذلك الى حذر شديد من مغبة الانزلاق في قمع مفضوح ومباشر.
التغييرات
وأشارت الى انه اذا كانت التغييرات الاجتماعية وعلى مستوى السلطة قد حصلت بالفعل نجد ان الفعاليات السياسية من تيارات واحزاب هي ايضا تبنت تغييرا مهما في خطابها خذ مثلا التيارات الاسلامية ومنها من كان في الماضي يمانع تداول بعض المصطلحات مثل الديموقراطية نجدها اليوم تتداول هذه المفاهيم وهي مستعدة ان تنظر لها وتطالب بتبنيها وتعرفها حسب مفاهيمها ومنطلقاتها الفكرية وهذا ينطبق على موقفها من موضوعات حساسة كحقوق المرأة والاقليات والانتخابات والمشاركة السياسية وحرية التجمع والرأي والاقليات وكلها كانت من التابوهات سابقا ولكن اليوم اي حركة سياسية لا تتعاطى مع هذه المصطلحات فهي تعلن اندثارها وتلاشيها كتيارات سياسية وسيهجرها جمهورها ويتجه الى تيارات اخرى اكثر ديناميكية وقدرة على التعاطي مع متطلبات المرحلة الحالية وربما تظل التيارات الجامدة تتحرك في اوساط عربية ربما لانها تلعب دورا قد تستغله السلطات لتقلص من تفعيل الخطاب الاصلاحي في معارك قادمة.
وقالت ان استعرضنا مسيرة الاصلاح السياسي كما عرفتها في بداية المحاضرة نجدها قد تعثرت في نمطين من الدول، اولا نمط الدولة المؤدلجة علمانيا والدولة المؤدلجة دينيا، الا ان الاصلاح السياسي الحقيقي قد تطور ونما في الدولة غير المؤدلجة، ونعرف هنا الدولة المؤدلجة على انها دولة تحكم تحت شعار ما وفقا لرؤية إما علمانية واما دينية وتستحضر شعارات لتثبيت شرعية سياسية. اما الدولة غير المؤدلجة فهي تمارس السلطة كممارسة سياسية خاضعة للتغيير حسب الظروف ومعطيات العمل السياسي فمرجعيتها آنية سياسية وليست ايديولوجية جامدة موغلة في التحجر.
وتطرقت الرشيد الى التجربة الايجابية حيث نجد ان الاصلاح السياسي وان تعثر وتراجع الا انه ظل جزءا من الممارسة السياسية ونأخذ هنا التجربة الكويتية ليس لانني في الكويت، ولكن لان مؤشرات الاصلاح السياسي التي ذكرتها في البداية تشير الى تفعيل هذه المفاهيم، فهي تجربة تبدو وحيدة في محيطها، حيث الاصلاح السياسي قد تم تعليقه وتظل هذه التجربة مصدر الهام للكثيرين العاملين في المجال السياسي والراغبين في الاصلاح الحقيقي، وان تعرضت التجربة لانتكاسة ما، الا انها لن تتوقف وستتطور في المستقبل لانها اصبحت حتمية تاريخية وواقعا قادرا على استيعاب العقبات وتجاوزها والتعاطي معها بمرونة .
وثيقة دستورية
واعتبرت ان وجود سلطة استطاعت ان تقبل وثيقة دستورية تحدد العلاقة بين الفرد والمجتمع والسلطة وتلتزم بها في الممارسة، وهذه نقلة نوعية من المنطقة العربية ووجود مجتمع قوي بمؤسساته واقتصاده وانتاجه الفكري وتعدديته، وقد وصل المجتمع المتعدد فكريا الى القبول بعقد اجتماعي قديم، وآثر ان يصبح جزءا منه عن طريق المشاركة السياسية وعدم تقويضه باللجوء الى العنف كوسيلة للعمل السياسي، ونفي العنف من المجتمع والسلطة هو الركيزة المهمة لبدء عملية الاصلاح السياسي وتطويره.
ورأت الرشيد ان احترام الحقوق الفردية والمدنية ونمو المؤسسات القانونية التي تراقب المجتمع والسلطة اديا الى ترسيخ مفهوم دولة القانون وتعثر عمليات انتهاك الحقوق بصورة عشوائية.
تعثر الاصلاح السياسي
تطرقت الرشيد الى تعثر الاصلاح السياسي وتعليقه في الدولة المؤدلجة علمانيا وقد عرفتها المنظمة العربية منذ بداية دولة ما بعد الاستعمار، حيث رفعت شعارات براقة عن الحرية والمساواة والعدالة، ولكنها فشلت فشلا ذريعا في ممارستها السياسية وظلت تحت وطأة الشعارات غير قادرة على الانفتاح على مجتمعها وتياراته المختلفة ورغم الاصلاح الاقتصادي الذي بدا منذ بضعة عقود، فانه اصطدم بأطر السياسة الجامدة وتحجر الممارسة، ورغم البرلمانات ومؤسسات المجتمع المدني والاحزاب، فان الممارسة السياسية ظلت قمعية وتعتبر هذه الدول من اكثر الدول التي تعثرت فيها التنمية الاقتصادية البشرية والحقوقية، وما زالت هذه الدول تلجأ الى قوانين الطوارئ في مواجهة المطالب الاصلاحية السياسية.
وقد استبدلت السلطة التنمية الاقتصادية كبديل للاصلاح السياسي والمشاركة السياسية والمحاسبة، ويبقى التغيير السياسي رهين معادلة الولاء مقابل الريع النفطي، ولكن اثبتت العقود السابقة فشل هذه المنظومة في استيعاب المطالب الاصلاحية او القضاء عليها تماما واليوم تستمر عملية التمويه والتمييع، حيث تعتقد السلطة ان الاصلاح الاجتماعي والانفتاح الاعلامي قد يغني عن الاصلاح الحقيقي الذي يتضمن المفاهيم التي حددتها، ويبقى القرار السياسي محصورا في شخصية القيادة، مما ادى الى اضعاف المجتمع وفعالياته، وتفكك هذه الفعاليات وانعدام الرقابة المؤسساتية واجهزة المحاسبة، وقد ادى انسداد المجال السياسي الى تقوقع المجتمع خلف تيارات وهويات ضيقة وهجرة العمل السياسي الى مرافق ومواقع تبنت العنف المسلح كوسيلة للتعبير السياسي والاحتجاج والرفض مما اضطر السلطة ان تلجأ للعنف تارة والاستقطاب تارة اخرى.
تعليق الإصلاح
قالت الرشيد «لن تستطيع عملية تعليق الاصلاح السياسي الحالية ان تستوعب مجتمعا متحركا متأثرا بالعولمة وآلياتها ووسائل اتصالاتها، وستظل المجتمعات العربية تتوق لان تلتحق بركب الامم المتحضرة مهما كثرت الضغوط».
تجارب عربية
أكدت الرشيد ان التجارب العربية في مسيرة الاصلاح السياسي اثبتت انها مختلفة ومتباينة وان كانت التجربة الكويتية قد سبقت غيرها الا انها ستظل مصدر الهام وتقدير واعجاب، ومن الحتميات ان تصل عدواها الى دول الجوار. ونأمل ان تتحقق هذه التجربة في مواطن اخرى، وهذا يعتمد على مسؤولية السلطة السياسية من جهة ومسؤولية الفعاليات الاجتماعية من جهة اخرى ولن تنهض الاوطان الا باجماع الجهتين على أولوية الاصلاح السياسي والاشتراك معا في تحديد اطاره عندها فقط نستطيع ان نجزم اننا دخلنا مرحلة التفعيل وتجاوزنا مرحلة التعليق.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك