الحلقة المفقودة في التنمية السياسية في الأردن! | تحقيقات وآراء | الرئيسية

الحلقة المفقودة في التنمية السياسية في الأردن!

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

تلقيت دعوة كريمة للمشاركة في اللقاء الذي نظمته وزارة التنمية السياسية مع عشرات الكتاب والصحافيين والذي كان يفترض أن يكون برعاية رئيس الوزراء.

في بداية الأمر وافقت على المشاركة ولكن في الساعات الأخيرة وبعد تفكير عميق توصلت إلى قناعة بعدم جدوى المشاركة.

هذا القرار لم يكن ابدا نوعا من عدم التقدير لموجهي الدعوة أو أي من الزملاء الحاضرين ولكنها قناعة شخصية تولدت لدي بأن التنمية السياسية في الأردن ليست حاليا إلا وهما وأن هذا الوهم بحاجة إلى أن يتعرض لتسليط ضوء قوي عليه حتى يتفكك ولا تستمر عمليات الدوران في نفس الدائرة منذ سنوات طويلة.

الحوار بحد ذاته هو نشاط اجتماعي وسياسي مقبول ولكن بشرط أن يكون وسيلة لا غاية بحد ذاتها تنتهي عندها الكلمات وتتجمد.

في تاريخ التنمية السياسية في الأردن اشعر بأن كل ما يمكن أن يقال حول خيارات وبدائل وقرارات التنمية السياسية قد قيل ولا يوجد المزيد.

لا أعتقد أننا كمجموعة من الكتاب والصحافيين وحتى وزير التنمية السياسية ولا رئيس الوزراء - لو كان قد فضل اللقاء حول التنمية السياسية على التزامه الخاص - يمكن أن يقدم فكرة جديدة.

كل ما نريد الحديث والحوار عنه موجود في عشرات ورش العمل والحوارات الاجتماعية التي قام بها الوزراء السابقون في كل المحافظات وكذلك في اللقاءات مع الأحزاب والصحافيين والمثقفين والأكاديميين والأهم من ذلك موجود في وثيقة الأجندة الوطنية التي تحدد ملامح ممتازة للتنمية السياسية.

كل هذه الوثائق والآراء موجودة لدى الوزارة ويمكن لأي باحث نشط وكفؤ من الموجودين في الوزارة أن يطور وثيقة ملخصة من 20 صفحة تتضمن أفضل ما أنتجته العقول الأردنية عن التنمية السياسية ويقدمها للوزير ولرئيس الوزراء لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

الحوار كما اسلفنا من المفترض أن يكون وسيلة نحو غاية هي مأسسة التنمية السياسة وجعلها نظام حياة وهذا ما يتطلب القرارات والتشريعات. الأساس هو وجود الرغبة في تحقيق التنمية السياسية وهذا ما أعتقد شخصيا أنه غائب في الأردن. الحكومة اعتمدت الأجندة الوطنية كبرنامج عمل للسنوات 2007 - 2010 وحولت جميع توصيات الأجندة تقريبا إلى مشاريع محددة بنشاطات ومسؤوليات ووقت للتنفيذ ومؤشرات مراقبة وتقييم. كل فصول الأجندة الوطنية تحولت إلى مشاريع ملزمة للحكومة ، باستثناء فصل واحد فقط.

لا توجد لدي جائزة لمن يعرف ما هو هذا الفصل لأن الجواب سهل لكل شخص ذكي ، وهو أن الفصل الغائب هو الخاص بالتنمية السياسية والمشاركة. ما هو مطروح في الأجندة الوطنية حول التنمية السياسية لم يصل إطلاقا إلى برنامج عمل الحكومة وكأنه قد تم إبعاده فورا بالرغم من أن معظم التوصيات موجودة ايضا في وثيقة كلنا الأردن التي شكلت توافقا وطنيا.

الحكومة غير معنية إذا بالتنمية السياسية لأنها لم تضع مشروعا ونشاطا وهدفا واحدا في برنامجها المستمد من الأجندة الوطنية حول التنمية السياسية وهذا يعني أن كل حوار هو ضياع للوقت. أحترم رؤية الكثير من الزملاء الذين يعتقدون أن الحوار مهم لاستمرار الزخم حول التنمية السياسية و لكن ما هي فائدة الحوار إذا كانت الأجندة الوطنية تقول وبكل وضوح من ضمن توصياتها "إعادة النظر بقانون الاجتماعات العامة وإلغاء الموافقة المسبقة على عقد تلك الاجتماعات" وبعد ذلك يتم إقرار قانون الاجتماعات بتوافق حكومي - نيابي متضمنا الموافقة المسبقة من جديد؟ وهناك العديد من الأمثلة التي توضح حالة إنفصام ما بين القول والفعل.

التنمية السياسية تتطلب الإرادة أولا ومن ثم الحوار. الإرادة بدورها بحاجة إلى توافق من مفاتيح صناعة السياسة الداخلية في الأردن على مفهوم التنمية السياسية من أجل الإتفاق على التشريعات المناسبة. هنالك على الأقل خمسة وزراء وعشرة أعيان وعشرة نواب يمثلون جوهر صناعة التشريعات في الأردن ، إضافة إلى ديوان التشريع وبعض الشخصيات الإستشارية الهامة وهؤلاء هم من يجب أن يؤمن بالتنمية السياسية ويتم الحوار معهم وبينهم. حتى الآن تعتبر هذه الشخصيات أو معظمها من المعارضين للتنمية السياسية بمهومها الإنفتاحي ولم يقم اي منهم بإبداء معارضة واضحة وحقيقية لمشاريع قوانين مثل الاجتماعات العامة والجمعيات أثناء صياغتها من قبل الحكومة ومناقشتها في مجلسي النواب والأعيان.

هل الأمل مفقود في التنمية السياسية؟ بالطبع لا لأن هناك الكثير من العناصر الإيجابية التي يمكن التنسيق بينها لتحقيق تقدم ملحوظ نحو المزيد من الحريات العامة في الأردن. أهم القوى الدافعة نحو التنمية السياسية هي جلالة الملك عبد الله الثاني المؤمن تماما بمفهوم التنمية السياسية ، العنصر المهم الثاني هو التطور في الاتصالات والمعلوماتية والصحافة بحيث باتت عملية الوصاية على المعرفة والرقابة مجرد مفهوم سخيف يعود إلى عقود ماضية ويمكن تجاوزه بسهولة. تطور مؤسسات المجتمع المدني عنصر آخر مساهم في العوامل الإيجابية ولكن هناك حاجة إلى المزيد من النشاط الحزبي والسياسي المتطور البعيد عن الإيديولوجيا الجامدة أو المناكفة المستمرة مع الحكومات على قضايا هامشية مثل مهرجان الأردن وغيره.

التنمية السياسية بحاجة إلى أدوات سياسية ومؤسسية وتشريعية حتى تتحقق وبدون ذلك فإن كل الجهد يكون كلاما في الهواء. التغلب على الحلقة المفقودة ليس مسألة سهلة ابدا ولكن دعونا على الأقل نعرف أين المشكلة حتى لا تضيع الجهود سدى ويتم وضع المسؤولية في الإخفاق على من يتحملها فعلا لا من يتصدى إعلاميا لها.
أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
5.00
Aman - main page